إن بناء
مجتمعات سليمة وقوية يرتكز على أسس ثلاثة تعتبر بمثابة الركائز التي تقوم عليها
الأمم وهي الأسرة والدولة والمدرسة، وإن أي خلل في الوظائف التي تقوم بها كل واحدة
منها سيؤثر سلبا على السير والنمو الطبيعيين للمجتمع.
إن ما نعيشه
اليوم من تفكك على جميع الأصعدة جراء التطورات المتلاحقة التي يعرفها مجتمعنا
يجعلنا ندق ناقوس الخطر منبهين تارة ومحسسين تارة أخرى بالعواقب الوخيمة التي
تنتظر مجتمعنا إذا لم يتم معالجة الخلل الوظيفي لكل من الأسرة والدولة والمدرسة،
كيف ذلك؟ وما هي حدود تدخل كل طرف؟ وما العلاقة التي تربط بين كل هذه الأطراف؟
1) الأسرة:
تعتبر
الأسرة تلك الخلية الأساسية في المجتمع المتكونة من أفراد تجمعهم صلة القرابة
والرحم، وهي نعمة من نعم الله وآية من آياته قال تعالى في سورة النحل الآية 72 {
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات
} تساهم في النشاط الاجتماعي، لذلك رغب الإسلام في إقامتها وبنائها بناء قويا حتى
تؤدي وظائفها الجليلة على أحسن وجه من
قبيل الوظيفة التربوية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الوظائف الضرورية لتقدم
المجتمع.
2) الدولة:
هي تجمع
سياسي يؤسس كيانا له اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد، ويمارس السلطة عبر منظومة
من المؤسسات الدائمة، وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأية دولة هي الحكومة والشعب
والإقليم بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة بما يكسبها الشخصية القانونية
الدولية ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة لاسيما الخارجية منها.
3) المدرسة:
فضاء ومكان
خاصين لتربية وتعليم الناشئة تسهر عليه أطر إدارية وتربوية في علاقة مع أطراف لها
نفس الهم، وتُمارَس فيه حياة هي حياة مصغرة للحياة الاجتماعية تسمى الحياة
المدرسية توفر مناخا تربويا واجتماعيا مناسبا للتنشئة المتكاملة والمتوازنة، حيث
تركز على إكساب المتعلمين كفايات وقيما تؤهلهم للاندماج الفاعل في الحياة، وترجمة
القيم والاختيارات إلى ممارسة ملموسة من خلال السلوك المدني المواطن، واحترام
التنوع الثقافي والاختلاف في الرأي، والممارسة الديموقراطية واتخاذ المبادرات
والقرارات عن بينة واقتناع(1)
انطلاقا من
التعريفات أعلاه يتضح جليا أن الأسرة والدولة والمدرسة لبنات كبرى وأساسية لقيام
المجتمع، فإذا كانت تلك اللبنات متينة وقوية وواضحة المعالم والأبعاد فإن المجتمع
ككل يكون قويا ومتآزرا و...، أما إذا ثبت العكس فإننا سنعيش مجتمعا متدهورا ومتخلفا
على جميع الأصعدة وهذا ما يظهره تشخيص حالة مجتمعنا، والنتيجة كما يعلم الجميع
مجتمع يتخبط في العشوائية والتردد وغيرها من السلبيات التي لا تليق بحضارتنا
العريقة.
إن الدور
الوظيفي لكل الأسس السالفة الذكر واضح وظاهر وجلي، فالأسرة هي النواة الأولى
للتربية السليمة على الأخلاق والقيم، فلا يعقل أن تهمل دورها تحت أي مبرر كيفما
كانت درجته لأن القيم والأخلاق هي التي تكسبنا الاستمرارية وقوة الشخصية، وعلى
الآباء أن يقوموا بدورهم كاملا في تربية أبنائهم التربية الحسنة ولا يحق لهم البتة
أن يمارسوا عليهم ذلك العنف الصامت الذي يعتبر أشد وقعا عن بقية أنواع العنف، لأن
ترك الطفل يفعل ما يحلو له دون حسيب ولا رقيب بدعوى أن الآباء مشغولون أو فقراء
أو... يعد إهمالا ويجب أن يعاقب عليه القانون. لأنهم بفعلتهم هذه يؤدون بالأطفال
إلى الانتقام من الأسرة أولا عن طريق سلك دروب الإهمال والتسيب وتقليد الأعمى
والمخدرات والعنف والهدر المدرسي... وثانيا من المجتمع. وحينها تبرز الدولة للتقلد
المهمة الأصعب وهي إرجاع هؤلاء الأطفال ضحايا الأسرة إلى الطريق الصحيح، إلا أن
عدم شجاعة الدولة وتراخيها يزيد الطين بلة فنجد أولئك الأطفال وقد أصبحوا مراهقين
يعمدون إلى تكسير كل الحواجز لا رادع لهم يصولون ويجولون بقوة وبطش ضاربين عرض الحائط
كل القيم والأخلاق، فتجدهم يخبطون خبط عشواء لا يحسنون إلا حب الظهور والتفاخر
والزعامة المريضة عن طريق سلب المواطنين ممتلكاتهم وقطع الطرقات وحمل السلاح
الأبيض والتباهي به كما التباهي بهندام بعيد كل البعد عن تقاليدنا المغربية
العريقة، فنجدهم تارة يلبسون لباسا ما أنزل الله به من سلطان، وتارة أخرى يحلقون
أنصاف رؤوسهم كأنهم رؤوس الشياطين ويدافعون عن ذلك باسم الحرية الشخصية وغيرها من
المفاهيم الدخيلة التي تضرب في العمق وحدة المجتمع وقيمه وأخلاقه.
إن الدولة
إذن مسؤولة عن كل مكوناتها ومؤسساتها الإعلامية والتربوية والرياضية و... عبر
حماية القانون وحسن تطبيقه وجعل الجميع يخضع له. لذلك عليها مراقبة نفسها أولا حتى
لا تساهم في ضرب أخلاق وقيم المجتمع عن طريق الإعلام مثلا... ثم ثانيا مراقبة الأسر
التي تخون واجبها في تربية الأبناء وتقويم سلوكهم عن طريق التحسيس والتوعية والردع
بتفعيل القانون، ويجب معاقبة كل أسرة ثبت أنها أهملت تربية أبنائها، لأن هذا
الإهمال يؤثر سلبا على عمل ومجهود الدولة والمدرسة بالخصوص لأن هذه الأخيرة تعتبر
الحلقة الأضعف في السلسلة لأنها تأتي بين المطرقة والسندان، مطرقة الدولة التي
تسعى دائما إلى تجميل وجهها أمام المنظمات والجمعيات تارة وتارة أخرى إلى التهرب
من مسؤولياتها في صون كرامة كل منتسبي المدرسة، وبين سندان الأسرة الصلب الذي لا
يسمع نداء استغاثة المدرسة الداعي إلى مساعدتها عن طريق أداء دورها التربوي الأساس
على أحسن وجه باعتبارها المنشأ الأول للطفل. بين هذا وذاك تبقى المدرسة يتيمة
مرتبكة في اتخاذ أي قرار، لأنه قد لا يرضي طرفا من أطراف السلسلة. فمرة تقف حائرة
أما ظواهر العنف والمخدرات والهدر المدرسي واللباس غير المحتشم وعد الانضباط
للقانون الداخلي للمؤسسة، ومرة أخرى تقف عاجزة عن تنفيذ قرارات في حق المخالفين
وغير المنضبطين وكثير الغياب رغم تأثر الآخرين بتصرفاتهم مخافة السقوط في فخ
المسؤولية عن الهدر المدرسي وما شابه ذلك في ظل غياب تشريع مدرسي واضح المعالم
وهذا يؤدي إلى فقدان المدرسة للثقة من الداخل.
إن تدخل كل
الأطراف أعلاه يتحقق بشكل إيجابي كلما اتضحت أبعاده وحدوده وتحددت المسؤوليات
فالأسرة هي التي تلعب دور التنشئة الأولى وهي التي ترضع الطفل أبجديات الحياة
الأولية وبتعبير آخر فهي التي تضع القطار على السكة الصحيحة، لتأتي بعدها الدولة
لتراقب تصرفات كل المؤسسات في إطار القانون واحترام الحقوق، وتقدم الدعم اللازم
حتى لا يزيغ القطار عن سكته. أما المدرسة فهي التي تكمل كل الأدوار عن طريق تنفيذ
برامج التكوين وتقديم كل الاستشارات ومواكبة الطفل في كل حياته المدرسية نفسيا
وفكريا، وتساعده على ترسيخ القيم وتقويم السلوكات وتنمية القدرات والإعداد الكامل
للاندماج في سوق الشغل والمساهمة في بناء المجتمع.
عموما تُكَون
الأطراف السابقة سلسلة متينة تربطها علاقات وطيدة هدفها الأول والأخير بناء فرد
قوي متشبع بكل القيم الدينية والوطنية والإنسانية والبيئية... وذلك كله في أفق
بناء مجتمع سليم وقوي مسلح بالأخلاق والقيم وحب الوطن واحترام الآخر ونبذ العنف
بكل تلاوينه... وإذا ما اختل جزء من هذه العلاقات أو توثرت أو تخلى كل طرف عن
التزاماته فإنه لا محالة سننتج أفرادا أميين متخلفين يدوسون بسلوكاتهم المتدهورة
كل القيم والمبادئ السامية...
ذ.
أحمد أيت باسو
نيابة
طاطا